فخر الدين الرازي
184
المطالب العالية من العلم الإلهي
بسبب منفصل ، بخلاف ما إذا خلق اللّه ذلك الفعل . فإن التأثير قد حصل منه وبه ، فكيف يكون تعجيزا ؟ . الحجة التاسعة : قوله تعالى : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 1 » ومعلوم أن كون الإنسان منصورا على الغير . إما أن يكون بأفعال الجوارح . كما إذا تصارع رجلان ، ثم إن أحدهما يصرع الآخر . أو بالعلم واللسان ، كما إذا أغلب أحدهما صاحبه بالحجة والبرهان . فإذا كان النصر لا معنى له إلا ذلك . وكل ذلك فعل العبد ، ثم دل هذا النص ، على أن النصر ليس إلا من اللّه ، ثبت : أن فعل العبد حاصل بإيجاد اللّه . فإن قيل : النصر قد يكون بتقوية القلب ، وبالإمداد بالملائكة ، وبإزالة الخوف عن القلب . وكل ذلك من اللّه . قلنا : هب أن ما ذكرتموه يسمى بالنصر ، إلا أن الأفعال المؤثرة في الغلبة ، لا شك أنها أيضا مسماة بالنصر . فلما قال تعالى : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ دخل فيه ما ذكرتم وما ذكرنا . وحينئذ يحصل المطلوب . الحجة العاشرة : قوله تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ ، مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ . ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ « 2 » ومعلوم أن وقوف الطير في الهواء ، فعل اختياري لذلك الطير . وهذا يدل على أن الأفعال الاختيارية للحيوانات مخلوقة للّه تعالى . فإن قيل : المراد بالإمساك : إعطاء الآلات والقدر ، التي بها يتمكن الحيوان من فعل ذلك الاستمساك . قلنا : هذا عدول عن الظاهر . والأصل عدمه . الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي « 3 »
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية : 126 . ( 2 ) سورة النحل ، آية : 79 . ( 3 ) سورة طه ، آية : 25 .